|
إذا كانت حركة الإصلاح التى تستهدف نقل المجتمع من التخلف إلى النمو والتقدم تستدعى القضاء على السلبيات التى أوردنا أمثلة لها فى المقال السابق – فإنها تستوجب مناخا إيجابيا وإطارا محفزا حتى تبدأ خطوات الإصلاح الحقيقية ونتفادى الخطأ فى المسيرة.
ليبيا بلد لديه الإمكانيات اللازمة للنمو والتطور ولدى أبنائها الرغبة الحقيقية فى تحقيق ذلك، أما الإرادة وهى الجانب المهم بعد الإمكانيات والرغبة فإن تحفيز الزعيم الليبى القائد معمر القذافى المستمر للجماهير يستهدف تقوية إرادة التغيير نحو الأفضل، ومن هنا سنستعرض المناخ والإطار اللازم لحركة التصحيح.. إذ أن أية حركة اجتماعية لا توجد فى فراغ أو بمعزل عن المحيط التى تكون فيه هذه الحركة.
المشاركة .. قبول الآخر
عزوف الناس عن المشاركة فى العمل العام وخاصة العمل السياسى هو ظاهرة موجودة فى غالبية المجتمعات باختلاف نظمها السياسية والاقتصادية.. وتختلف مسبباتها حسب ظروف كل مجتمع. وبالنسبة للجماهيرية فقد أشار قائد الثورة إلى ظاهرة ضعف مشاركة الجماهير فى اجتماعات المؤتمرات الأساسية واعتبرها مرحلة مؤقتة خاصة بعد إيجاد التجمعات الصغيرة 'كانتونات' كأساس للعمل السياسي.
إننا نرى أن عزوف الناس عن المشاركة يعود إلى اعتقادهم بأنه ليست هناك ردود فعل إيجابية للقرارات التى يتخذونها وأن آراءهم يتم بصورة تعمدية، أو غيرها عملية تهميش أو تشويه لها.
لذا فمن الضرورى إقناع الجماهير بالمشاركة الايجابية بدءا من العمل السياسى ثم العمل الاقتصادى والاجتماعى والثقافي.. وذلك من خلال أجهزة الإعلام المختلفة قبل الاجتماعات بوقت كاف وعبر مخطط إعلامى راق.. كذلك تمكين وجوه شابة جديدة – ليس لها ماض فى التشويه والتهميش – من نقل وصياغة آراء الجماهير والتأكد من تحقيق الممكن منها حتى يشعر الناس بجدوى المشاركة.
أما الجانب المهم المكمل للمشاركة فهى قبول الآخر – كيانا ورأيا – مهما كانت درجة الاختلاف، وإفساح المجال للآخر حتى لو كان أقلية من المشاركة وسنرى مع الوقت أن ذلك سوف يؤدى إلى الإثراء فى التجربة والتطبيق.
الرؤية المستقبلية
لا إصلاح بدون وضوح الاتجاه، من المهم أن تتم معرفة طموحات الجماهير فى المستقبل.. ماهية التصور الذى يرونه لوطنهم بعد عشرة أو عشرين أو خمسين سنة قادمة، وهنا يأتى دور علماء الاجتماع البشرى فى إعداد الدراسات والمسوحات. ليبيا.. هل يتراءى لأبنائها أنها ستكون قطرا يستعمل موقعه الجغرافى بابا لأفريقيا وتصبح تجارة وصناعة العبور هى النشاط الأول أم ستكون قطرا يعتمد على صناعة السياحة حيث تتنوع أجواؤه من الشاطئ إلى الصحراء، أم سيكون بلد زراعة وصيد بحرى أو غيرها من صور التخصص والتطور.. هذه الرؤية تبنى أساسا على ميول ورغبات أفراد المجتمع ثم الإمكانيات والموارد المتاحة وأخيرا القدرة على التخطيط الاستراتيجى ثم التخطيط الاقتصادى والبرمجة المالية والتدريب والتأهيل للموارد البشرية.. ولا تكتمل الرؤية المستقبلية إلا بمعرفة موقع ليبيا وواقعها ضمن أقطار الشمال الأفريقي. وهنا تأتى ضرورة التنسيق والتكامل بين هذه الأقطار بما يحقق المصلحة العامة للمنطقة.
الأبحاث والدراسات
وقد اخترت أن أضعها فى أولويات إطار العمل الإصلاحي، إن من أهم معوقات النمو هى ضعف الدراسات المرتبطة بالأقطار النامية.. إن ما يتم إنفاقه فى الدول العربية على الأبحاث والدراسات يمثل أقل من 1 بالمئة من الناتج المحلى الإجمالي، بينما تقوم إسرائيل مثلا بإنفاق حوالى 2.8 بالمئة من الناتج المحلى الإجمالى على الدراسات والأبحاث.
ونعنى بالدراسات والأبحاث تلك المرتبطة بمواردنا البشرية والطبيعية 'انثروبولجية اجتماعية، اقتصادية، علمية، هندسية' بل حتى التى ترتبط بالعلوم التاريخية والجغرافية.. المهم أن ترتبط بليبيا.. إذ أن ما نفعله حاليا هو نقل الدراسات الخاصة بالأقطار الأخرى ومحاولة تطبيقها فى بلادنا بينما ما نحتاجه دراسات وأبحاثا تطبيقية مرتبطة بواقع وتراث وموارد ليبيا.. إن تشتت مراكز الأبحاث وضعف مواردها يجعلها صورا مشوهة ولا تؤدى إلى أى هدف مستقبلي، نحن فى أمس الحاجة إلى دراسات حول الإبل والصحراء ، الزيتون والتمور، الطاقة الشمسية وكل ما يميز ليبيا وما حباها الله به من مواد قابلة للتطور والنمو.
الثقافة .. التواصل
العديد من السلبيات التى أوردنا بعضها سابقا لا يمكن القضاء عليها بالقوانين والتشريعات وإنما تحتاج إلى تغيير فى جوانب من الثقافة الحالية.. إن الثقافة تعنى التراكم المعرفى للقيم والتقاليد المتوارثة والمكتسبة وهى ما يميز مجتمعات عن أخرى. ففى الشرق الأقصى مثلا إن قيم الانتماء الأسرى تم تحويلها إلى الانتماء للمؤسسات الإنتاجية وتم تعميق قيم العمل والإتقان والإخلاص بحيث أصبح المنتج والخدمة مظهرا للانتماء..
وفى الثقافة الغربية 'العمل مقابل الأجر المستلم' لذا يحرص الإنسان على أداء عمله مادام يستلم الأجر المناسب.
أما مجتمعاتنا فلم يتم تعميق قيم العمل والإبداع.. بل ظهرت قيم سلبية مرتبطة بعهود التسلط والسيطرة.. فالمال العام يعتبر فى غالبية الأحيان مالا مباحا، إذ أنه كان يعود للحاكم الطاغية وتولدت الرغبة فى الاستيلاء عليه من وراء ظهر السلطة.. الروتين والبيروقراطية هى دليل القدرة على السيادة والتسلط على عباد الله وهى موروث ثقافى آخر.. وهكذا العديد من النماذج.
إن ما تحتاج إليه حركة الإصلاح هو تعميق الجوانب الايجابية فى ثقافتنا الوطنية مثل إتقان العمل والتضحية فى سبيل الوطن والانتماء ، وفى نفس الوقت تغيير جوانب الثقافة السلبية التى تؤدى إلى إهدار الطاقات البشرية والمادية.
ولكى نعيد ترتيب ثقافتنا لابد لنا من التواصل مع الثقافة الإسلامية العربية بدون جمود، مع مراعاة تغير الزمان والمكان.. كذلك التواصل مع ثقافة المجتمعات الأخرى ويستدعى ذلك جهودا كبيرة من القيادات الاجتماعية والدينية والمعاهد العلمية والمراكز الثقافية وأجهزة الإعلام المختلفة.
تفعيل دور المؤسسات
إن حركة الإصلاح وهى ستكون حركة فاعلة لفترة زمنية قادمة لا يمكن أن تعتمد على الاجتهادات الشخصية فى مختلف القضايا.. إن الفكر الجماعى لابد أن تتم بلورته وصياغته من خلال مؤسسات المجتمع سواء كانت مؤسسات الدولة الرسمية أو مؤسسات المجتمع المدني، وبذلك يتم ضمان ثبات المعايير والتطبيق بدون التعرض للتغير من حالة اجتهاد شخص إلى اجتهاد آخر.
إن المؤسسات التى نعنيها ليست هياكل إدارية ترتبط بالشخص المكلف بالإشراف عليها وتعتمد على اجتهاداته الشخصية فى أداء دورها وعندما ينتهى تكليفه ويأتى شخص آخر لا يعترف بإنجازات السابق ويبدأ من الصفر.. وهكذا ندور فى حلقات مفرغة.
المؤسسات فى مرجعيتها تعتمد على التشريعات والقياس والمعايير الثابتة وتتراكم من خلالها الخبرات فتتم حركة التواصل البناء. لذا فإن حركة الإصلاح لابد أن يواكبها تفعيل دور المؤسسات القائمة وإنشاء مؤسسات جديدة لمعالجة القضايا المستحدثة ، هذا ينطبق على مؤسسات القضاء والتشريع والتنفيذ الرسمية كذلك المؤسسات المدنية الثقافية والإعلامية والتى تختص بحقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل والعجزة.
إننا نحلم بدولة المؤسسات والتى ستكون الضمان الأمثل لتحقيق مستهدفات الإصلاح بدلا من الاعتماد على أفراد زائلين مهما طال تواجدهم وجهدهم.
ركائز الإصلاح
كان من الممكن إدراج ركائز الإصلاح فى المقالة التالية حول خطوات وبرامج الإصلاح.. إلا أنه بالنظر إلى أهميتها وضرورة تطبيقها مهما كانت الخيارات للخطوات والبرامج.. ارتأينا أن نتعرض إليه بصورة إجمالية فى الوقت الحالى :
الركيزة الأولى للإصلاح هى الاهتمام بالإنسان عن طريق التنمية البشرية.. العنصر البشرى فى الأقطار المتخلفة هو أحد مسببات التخلف ومعوق كبير للجهد الإنمائي.. بينما يعتبر فى الأقطار المتقدمة العنصر الفعال لتحقيق التقدم.. اليابان مثلا ليست لديها أية موارد طبيعية أو طاقة، واعتمدت فى تحقيق تقدمها بصورة كبيرة على العنصر البشري، وتم تأهيله لهذا الغرض، وهكذا فى العديد من أقطار الشرق الأقصى.
الحاجة تدعو إلى تقييم البرامج التعليمية بداية من المناهج إلى المدارس إلى المعامل والمكتبات إلى كافة التسهيلات اللازمة.. كذلك ضرورة دراسة تأهيل وإعادة التأهيل للطاقة العاملة غير المستغلة فى مجتمعاتنا خاصة النساء .
إن التنمية البشرية هى البداية لأى عمل إصلاحي.. وتحتاج التنمية البشرية إلى جهود كبيرة تتخطى جهود الدولة الرسمية.
الركيزة الثانية هى ضمان رفع الإنتاجية.. إن المقياس السائد فى المقارنة بين اقتصاديات الدول.. هو مستوى الناتج المحلى والإجمالي.. هل من المنطق أن الناتج المحلى لدولة مثل إيطاليا أو أسبانيا يساوى مجموع الناتج المحلى للعالم العربى من المحيط إلى الخليج؟. وإذا ما تمت المقارنة بعدد السكان فإن ذلك يعنى أن الشخص المنتج فى إيطاليا يقوم بإنتاج ما يوازى إنتاج ستة أو سبعة أشخاص فى العالم العربى ويعود ذلك أساسا إلى ضعف إنتاجية الإنسان المنتج فى العالم العربي.. ويتطلب رفع الإنتاجية عمليات عديدة سنتعرض لها لاحقا.
الركيزة الثالثة هى عدالة التوزيع.. وهى الشق المكمل لرفع الإنتاجية.. وتعنى عدالة التوزيع أن يتحقق لكل أفراد المجتمع نصيبهم العادل من الدخل القومى الإجمالي، فلا يمكن قبول مجتمع الواحد فى المائة – وفيه يتمتع هذا الواحد بجل الدخل وتتبقى الأغلبية تحت مستوى الكفاف.. وهذا لا يعنى إطلاقا أن يتساوى المنتج المجتهد مع اللامبالى الكسول.. إن عدالة التوزيع هى أمر تدعو إليه كافة الأديان والعقائد.. كذلك الأيديولوجيات السياسية المعتدلة.. وإذا لم تتحقق هذه الركيزة فسيكون هذا سببا فى خلق مشاكل سياسية واجتماعية لا حصر لها وستكون عائقا أساسيا فى حركة الإصلاح.
الركيزة الأخيرة هى التعرف على مكانة القطر - ليبيا فى هذه الحالة – بين أقطار العالم.. وتسمى أحيانا مدى التنافسية.. ويتم التعرف على المزايا ومحاولة زيادتها وتقويتها .. وكذلك على السلبيات وطرق معالجتها.. إن العالم كما يقال بفضل التطور الهائل فى مجال الاتصال والمواصلات أصبح مثل القرية.. ولا يمكن لأى قطر أن يتعايش بمعزل عن بقية أقطار العالم.. لذا لابد من رفع القدرة التنافسية لجذب الاهتمام وبالتالى تنمية العلاقات الإيجابية مع العالم.
كلمات لا تنقصها الصراحة
-
من معاوية بن أبى سفيان إلى معاوية ولد الطايع.. مسيرة الدكتاتورية:
منذ أن استلب معاوية بن أبى سفيان زمام حكم المسلمين – وهو أحد الطلقاء من مسلمى مكة – بعد أن خرج على الشرعية التى بايعت الخليفة الراشد الإمام على بن أبى طالب 'رضى الله عنه' وحتى أيامنا الحالية والتى كان أحد نماذج حكامها السيد معاوية ولد الطايع حاكم دولة موريتانيا الذى أطيح به منذ أشهر قليلة، والأمة العربية الإسلامية تعيش مراحل من الدكتاتورية وحكم الفرد المطلق.
معاوية بن أبى سفيان وضع السيف على رقاب الناس لكى يضمن البيعة وتوريث الحكم لابنه السفيه يزيد، وتلاه بعد ذلك معاوية الثانى الذى اعتزل الحكم ثم لم يعد لذرية أبى سفيان أى وجود، وبدأت المرحلة المروانية فى حكم بنى أمية بتولى مروان بن الحكم – رأس الفتنة – وأبناؤه حكم المسلمين تحت مسمى أمير المؤمنين، وأصبح الحكم منذ ذلك الوقت يتولاه طاغية بعد آخر.. وتم تغييب المسلمين، لا شورى ولا هم يحزنون.
تزامن مع ذلك ظهور بطانة وأعوان الطغاة وشعراء البلاط وفقهاء السلطة، فظهر زياد بن أبيه، الحجاج الثقفي، وغيرهما، وظهر معهم شعراء البلاط الأخطل والفرزدق فى العصر الأموى وأبو نواس فى العصر العباسي، واستنفدت موهبة أفضل الشعراء كأبى الطيب المتنبى فى المديح والهجاء للتقرب من السلطان. أما الفقهاء فتبارى جانب منهم فى اختلاق الأحاديث النبوية الموجبة الطاعة العمياء للطغاة، أما الشرفاء منهم فانكبوا على جانب العبادات فى الدين، والتى تمثل ما لا يزيد على 20 بالمئة من آيات القرآن الكريم ومن وقت الإنسان. أو جانب التوحيد – والتى جاءت سورة واحدة وهى سورة 'الإخلاص' كأفضل ما يجب على الإنسان المسلم أن يؤمن به – أما جانب المعاملات فقد تم التوقف عن الاجتهاد فيه منذ القرن الثالث حتى القرن الرابع عشر الهجري، وتحت المقولة بأن الحاكم قدر من الله لا ينبغى معارضته نستثنى من ذلك اجتهاد من يسمونهم بالخوارج وهم لولا غلو البعض منهم لكان لهم شأن عظيم فى أصول الحكم والاقتصاد والاجتماع.
هذا المسار استمر، وترسخت الدكتاتورية وحكم الطغاة منذ ذلك الحين وحتى أيامنا هذه.. أيام السيد معاوية ولد الطايع حاكم موريتانيا الأخير والذى كان أهم إنجاز له هو الاعتراف 'بدولة إسرائيل' والتى تبعد عن موريتانيا ما يزيد على خمسة آلاف كيلو متر، فلا هو من بلاد الطوق أو المساندة، وبعد خمس سنوات لم تستفد موريتانيا أو إسرائيل من هذا الاعتراف المخزى والذى تم دون استشارة الشعب الموريتانى العظيم.
وظهرت خلال الفترة الطويلة 'ومضات' سرعان ما تم القضاء عليها كانت أول 'ومضة' وقفة الإمام سيد الشهداء الحسين بن على حفيد الرسول 'صلى الله عليه وسلم' وتم حز رأسه الشريف ثم وقفة عبد الله بن الزبير وابن أسماء حفيد أبى بكر الصديق 'رضى الله عنه' أول من آمن بالإسلام، وتم شنقه على أسوار الكعبة، وتم تقديمهم قرابين للطغاة، واستمرت قوافل الشهداء حتى أيامنا.. وتأصلت الدكتاتورية منذ ذلك الحين.. وأصبحت الديمقراطية – حكم الشعب والجماهير – استثناء فى تاريخنا وحاضرنا.
- يخطئ من يعتقد أن الدكتاتورية تنحصر فى السلطة المطلقة للحاكم الفرد فقط.. إن الدكتاتورية إذا استشرت فى ثقافة المجتمع، سنجد الأب فى الأسرة، شيخ القبيلة أو العشيرة.. وهناك أباطرة صغار يلعقون أحذية من هم أعلى منهم وفى نفس الوقت يمثلون دور الدكتاتور على عباد الله الآخرين، خاصة الذين يعملون معهم.
- كلمة أخيرة .. الاحترام قيمة جمالية رائعة.. تبدأ من احترام الإنسان لنفسه فلا يبتذلها.. ثم احترام الإنسان للآخر 'كيانا ورأيا' مهما كان اختلافه سيؤدى حتما إلى المصالحة الجماعية التى هى أساس الإصلاح المستهدف..
|